الأحد، 21 مايو، 2017

أحقاد



ينبغي ان تواجه العالم بقلب طفل صغير كي تخرج من معاركه بأقل الخسائر الممكنة..
قلب طفل، هذا ما يتطلبه الأمر، وان استطعت ان تمتلك عيون طفل أيضا لكان ذلك رائعا.
لا يكفي ان تحاول الفهم..بإمكانك ان تدرس وتحلل كثيرا لو شئت،لكنك أحيانا كثيرة ستنهي رحلة بحث مضنية أمام جدار عال من الغموض واللامعنى،جدار يمتد امامك بكل برود و بلا ادنى اكتراث لحرقة السؤال و تشظي الذات السائلة..
قلب الطفل يواجه الأحقاد بضحكة صافية، مثل ظبي صغير يتقدم بحماس نحو  لبؤة شرسة، يلاعبها غير مدرك لخطورة أنيابها البارزة فيربك هجومها و يوقظ فيها غريزة الأمومة بدل غريزة الافتراس.
لا تشغل بالك كثيرا بالتفكير في منبع الأحقاد التي تملأ العالم، لن تحصي كل المنابع و قد تموت بنيران صديقة قبل ان تكتشف السر.
ابق فقط على قلب الطفل بداخلك لكي تجد متسعا للضحك على هذا العالم البائس قبل ان تموت كمدا من اجل لاشيء

السبت، 20 مايو، 2017

نسوانيات في مواجهة الأنذال



تبدأ اللقاءات-كالمعتاد- بشيء من السحر، يخبرها ما تحب سماعه وتنتهي لقاءاتهما بحمل غير متوقع وغير مرغوب فيه من كليهما..عندما تقرر إنجاب الطفل تفاجأ بأنه يتنكر لها و لطفله، و تخوض حربا كريهة في أروقة المحاكم لكي يخبروها في النهاية أن النفقة مشروطة بعقد الزوجية و انه ليس ملزما بالإنفاق على طفله حتى بعد أن أثبتت الفحوصات نسبه البيولوجي إليه..
هكذا فقرار العلاقة غير الشرعية كان قرارهما معا، ولكن مصير الطفل الناتج عن هذه العلاقة يبقى شأن المرأة وحدها: "الفاجرة التي سمحت لنفسها بمعاشرة رجل خارج إطار الزواج، يمكن ان تكرر فعلتها مع اي رجل آخر، اي خير يأتي منها او من ابن الزنا الذي أنجبته الى العالم؟" يقول الأنذال من الرجال، نفس الأنذال الذين يُقبِلون بحماس على فسحات تحرر تمنحهم العديد من الشريكات ثم عند ظهور أول مشكلة يتمترسون ،بكل جبن، خلف موروث محافظ من الأحكام الأخلاقية الصارمة التي تكيل تهم العهر والفجور و الغواية للمرأة و لا تحمل الرجل أدنى مسؤولية عن افعاله.."حيتاش هو راجل"
"الراجل" الذي يعدد، أمام الجميع،وبكل فخر، مغامراته مع النساء، ولكنه عندما يقرر الزواج يبحث عن صبية طاهرة لم "يطأها" احد قبله. ومهما تقدم به العمر فلا بد ان تكون سعيدة الحظ مراهقة يافعة. ومهما بلغ من قبح خلقته فلا بد ان تكون حبيبته آية من الجمال. ومهما بلغ وجوده من التفاهة فلا بد ان تتفرغ لخدمته. ومهما كان جاهلا فلا يصح ان تبدو اكثر علما منه. وحتى لو كان معدما على جميع الأصعدة ،فليس عليه بذل اي مجهود لتحسين وضعه فيكفيها أنه "رجلها" ، جنتها و نارها بيديه.
تجد الواحد من هؤلاء الأنذال يتبرم من خروج المرأة الى مجال الشغل و لكنه يبتز  زوجته  الى ان يحصل على بعض او كل راتبها، فإن لم يستطع تركها تواجه تكاليف حياتهما المشتركة بمفردها.
لا يترك فرصة لتذكير زميلاته في العمل  بدورهن التقليدي في الانجاب والطبخ، وان كانت الواحدة منهن اكثر منه كفاءة نعتها بالمسترجلة و سخر من زوجها ان كانت متزوجة و تفكه من استحالة ارتباط اي رجل حقيقي بها ان كانت غير متزوجة.
في البيت، يعتقد ان الأنثى خلقت لخدمته،قد تكون والدته امرأة مسنة،ومع ذلك فهو يفرد ساقيه أمام التلفاز في كسل منتظرا ان تقتني الأم المشتريات من خارج البيت وتطبخ وتجلب الطعام الى المائدة ثم تقوم بتنظيف المطبخ بعد ذلك..ان كان متزوجا فزوجته تحل محل أمه في كل ذلك، وان اعترضت قائلة بعدم وجود مبرر ديني او بيولوجي يجعل تلك الاعمال حكرا عليها وحدها وبأن الحياة المشتركة يجب ان تقوم على التعاون وتشارك المهام، صرخ في وجهها: "ها علاش ماكنحملش لعيالات لي دايزة ليهم لفهامة !"
في الشارع عندما يختلف مع إحداهن يشتمها ببذاءة مستعرضا فحولته المفترضة، فالفضاء العام في تمثله لا مكان فيه للمرأة وكل الوسائل مسموح بها من العنف اللفظي مرورا بالتحرش وصولا الى الاغتصاب، والهدف واحد: اعادتها الى البيت،مكانها الطبيعي.
الأنذال من الرجال غير قادرين على رؤية الانسان بداخل المرأة (و في العمق هم عاجزون عن رؤية الانسان بداخلهم هم أنفسهم)، عندما ينظر الواحد منهم إليها لا يرى غير جسد يصلح وعاء لمتعته الخاصة، وربما تكون طريقا الى الثروة او النفوذ ان كان ذلك ممكنا،فإن لم يكن ثمة جمال ولا مال و لا جاه فهي مجرد "خْطِية"  يجدر تذكيرها بلا جدواها بمناسبة او بدون مناسبة.
يعاني الرجال المحترمون هم ايضا من خسة الأنذال، إن أراد أب محترم لابنته فرص تعليم مكافئة لما يحصل عليه الذكور،حاصروه بكلمة "حشومة"
إن وقف ابن محترم في المطبخ لإعداد الطعام لأسرته سخروا من كونه "لعزبة ديال الدار"
إن ترك راكب محترم في وسيلة نقل  مقعده  لامرأة  تمتموا في امتعاض: "هن يردن المساواة !"
ان رفض رجل محترم تعنيف امرأة أساءت إليه صرخوا في وجهه مهددين : "ما فيديكش !"
إن ساند زوج محترم شريكته في تحقيق انجاز يعني لها و يسعدها، تضاحكوا من كونه "راجل لمرا"
وإن لاحظوا إخلاصه لزوجته و التزامه بحياتهما معا سألوا مستنكرين: "آش موكلاه هاد خيتي ؟!! "
كلما تعاظم احساس هؤلاء برجولة وهمية و زادت ثقتهم في تفوقهم الطبيعي لمجرد انهم ولدوا ذكورا كلما اعتقدوا ان الذكورة تمنح الحق على كل الأشياء وكل النساء، وتمنح بالتحديد الحق في جعل النساء والأشياء سواء.لذلك ففي مجتمع ذكوري متطرف لا بد ان نتوقع ظهور نسوانيات شرسات،فالمرأة لا تولد نسوانية ولكن الأنذال من الرجال يجعلونها كذلك.

الثلاثاء، 25 أبريل، 2017

قضايا عادلة



أستغرب من الذين يبذلون مجهودا كبيرا في السجال حول ما إذا كانوا يريدون البلاد علمانية أو دينية، أستغرب  منهم و هم يتمترسون خلف حججهم التي تفحم الخصوم، و وقائع التاريخ التي تصد كل هجوم، كيف يختار هؤلاء معاركهم؟ و بأي مقياس يتعرفون خصومهم؟ و أين بالضبط يحصلون على كل هذا الاطمئنان الى عدالة قضاياهم؟
أينما وليت وجهك وجدت استعدادا لإقصاء الآخر، و ممارسة الوصاية على العقول و الأرواح، يبحث الجميع عن أرضية لتحقيق مشاريعهم الفكرية او العقدية و لا يبحثون بالضرورة عن أرضية للتعايش المشترك، يجمعهم سقف الوطن الذي يهوي من حين لآخر على رؤوس الجميع بخبر مفجع من هنا و هناك،  يتأوهون لبضعة أيام متحسرين ثم يعودون لشن هجوم جديد على معسكر العدو.
البسطاء في ربوع الوطن لا يحفلون كثيرا بالتأصيل النظري لطروحات هؤلاء و أولئك، و غالبيتهم العظمى لن تميز في الخطاب بين الحقيقة والمغالطة، لأن رهانات اليومي لا تمنح للواحد منهم ترف التأمل والتفكير.
أستغرب كيف لا تراجع المعسكرات المتعادية أولوياتها أمام ضحكة الطفلة "إيديا" التي سرقت من ذويها إلى الأبد بسبب قلة التجهيزات في المستشفيات العمومية، هل سنختلف بشدة حول حق الإنسان في الرعاية الصحية الملائمة ؟ في كل مستشفى يكون على الناس ان ينتظروا طويلا كي يحظوا بفرصة للفحص على جهاز دائم العطب،ينتظر مريض السرطان موعدا للفحص قد يأتي بعد عدة أشهر أو عام أو أكثر،ينتظر مريض بالربو او التهاب الكبد على رصيف المستشفى البعيد بمئات الكيلومترات عن مدينته او قريته، ينتظرون ، بينما أمراضهم التي تقتات على صحتهم كل لحظة لا تعرف الانتظار.
يقدم البعض دفوعاتهم المنادية بالمساواة في الإرث من أجل إعادة الاعتبار للمرأة،في هذه الأثناء تقفز سيدة ستينية الى عمود اتصالات و تتسلقه و تهدد بالانتحار محتجة على محاولة سلبها أرضها،لكي يذكر جسدها الضئيل و وجهها المتغضن بمعضلة ضخمة و خطيرة: ما جدوى ان تمتلك شيئا – رجلا كنت أو امرأة- إذا كان ما تمتلكه عرضة للنهب بوثائق رسمية؟ لصوص العقار لا يأبهون لمعتقدات الضحايا، فلتكن مملكة الله او مملكة الشياطين او حتى مملكة العدم، مادام بإمكان الواحد منهم ان يحصل على اي عقار شاء و يحظى بآخر التشريعات الوطنية في صفه فوق ذلك.
يتحدث البعض بكل ثقة عن هذا الذي يستحق الجلد و تلك التي يجب أن تقر في بيتها، وعن المنكر الذي يجب تغييره باليد أولا، و ينسون أن العالم لم يخترع بعد جهازا لقياس الإيمان لكي يرفع الأكثر إيمانا من الناس الى مقام محاسبة البعض الآخر، وأن الاولى ان نمنح للنساء بيوتا ومساكن تليق بآدميتهن قبل ان نتوقع منهن ان يقرن فيها، و ان اليد التي لا تدرك أو لا  تنجح في تغيير المنكر الذي تأتيه بنفسها لا يحق لها ان تمتد لتغيير المنكر الذي تأتيه يد الغير.
أستغرب كيف ينظر هؤلاء وأولئك بعين الى مشاهد "الحكرة" والتهميش والهشاشة، ثم يتأملون بأخرى الوجه البشع للنفوذ والزبونية،و لا تتأجج فيهم مع ذلك الا الرغبة في تنحية المعسكر الايديولوجي الخصم والقضاء عليه !!
أيها الباحثون عن قضايا عادلة اجعلوا الإنسان قضيتكم و تكاثفوا من اجلها و ستجدون ان كثيرا من أعدائكم الحقيقيين او المفترضين قد استحال حليفا، وان صوتكم سيكون قويا لدرجة لن تحتاجوا معها الى شن حرب بعد ذلك لإسماعه.

السبت، 4 مارس، 2017

مزرعة الحيوانات



رواية تعيد قراءتها أكثر من مرة،دون ان يفتر مع ذلك انبهارك ببراعة و ذكاء جورج اورويل في بناء عالمها السردي.
تبدو الفكرة بسيطة، فكرة التعبير عن واقع المجتمعات البشرية على لسان الحيوانات، ولكن ليس هذا ما يستوقف في "مزرعة الحيوانات"، انها فكرة الثورة، مبرراتها، أحداثها، آثارها على الذين خاضوها ايمانا بجدواها، مسارها الذي قد يسير في اي اتجاه  الا ذلك الذي اندلعت لأجله، لا تستطيع ان تفصل هذه الرواية عن عالم النصف الاول من القرن العشرين، ذلك العالم الذي استفاق فيه الناس من احلام العدالة و الرفاهية والحرية لكل البشر- وعود المجتمع الصناعي التي لم تتحقق- ليجدوا  أنفسهم يعيدون انتاج العبودية و القهر باشكالها الصريحة و المتخفية.ذلك العالم الذي خيب آمال الكثيرين و اسقطهم في قلق وجودي عن جدوى كل ما يحدث حولهم.
تبحث في ذاكرتك و انت تقرأ مزرعة الحيوانات عن الاحداث التاريخية التي يمكن ان تكون قد ألهمت جورج اورويل في كل التفاصيل التي يقف عندها بعناية:
-         الشعوب التي تستجمع بصعوبة شجاعتها لكي تثور على مستغِليها و لا يفيض كأسها الا قمة الجوع والقهر.
-         الصعود التدريجي لقادة و زعماء أسوأ من الذين قامت الثورة للاطاحة بهم
-         قيام هؤلاء بابعاد من ينافسهم على السلطة او يحمل رؤية اصلاحية حقيقية
-         التلاعب بالذاكرة الجمعية من خلال البروباغاندا و الاعلام المأجور الذي يجعل من الهزيمة نصرا و يحرف الاحداث والوقائع بحيث لا يعود التأكد من اي واقعة ممكنا بالنسبة للناس
-         التعديل المتواصل للدستور او القوانين بدون الرجوع الى الشعوب بحيث تصبح الدساتير مفصلة بالمقاس على مزاج الحاكم
-         بناء عالم مزيف من التطور الاقتصادي و الرفاه والامن والحرية في الخطاب الرسمي و تكراره الى ان يصدقه الناس مع انه يتناقض تماما و واقعهم المعيش
-         اشاعة جو من الخوف من خلال تنفيذ احكام اعدام و اقامة محاكمات صورية لخونة مفترضين
-         تحصين الحاكم و حاشيته لأنفسهم بجيش شرس لقمع اي عصيان
-         تمكن الفئات المتنفذة من عدد كبير من الامتيازات التي لا تتاح لغيرهم
-         واخيرا و بعد مضي زمن كاف على ترسيخ العهد الجديد لدعائمه و تأكده من انعدام اي مقاومة من قبل الشعب يسمي الاشياء بمسمياتها و يكشف عن وجهه الشمولي دون اكتراث.
أتأمل كل هذا و لا املك الا ان اعجب ببراعة جورج اورويل و نفاذ بصيرته، فقد يكون  استلهم تفاصيل ما كتبه مما عاصره ( ثورة البلاشفة و نظام لينين و بعده ستالين) وهذا في حد ذاته يشهد بذكائه إذ ليس كل من عاصر نظاما شموليا يستطيع ان يتنبه الى الطرق والآليات التي يتغلغل بموجبها في كل مظاهر المعيش، وفي هذا الشأن نجد تحليلا اعمق و اكثر ابهارا في رائعته "1984"  
من جهة ثانية يمكن للقارئ و هو يقرأ الروايتين ان يستعيد احداث من التاريخ القريب(نظام كاستور في كوبا مثلا) ، فيلح على ذهنه السؤال: هل هي نبوءة تتحقق هنا وهناك على خريطة العالم؟ ام ان جورج اورويل في قالب روائي استطاع ان يلخص عددا من الوقائع المنتظمة التي تشكل جوهر الانظمة الشمولية فيما يشبه القوانين؟