الأحد، 22 أكتوبر، 2017

طاعة

من المؤكد أننا نعيش في عوالم مختلفة رغم انتمائنا جميعا الى العالم نفسه.من المؤكد ان كلا منا يستطيع ان يتنقل بقدر من السهولة بين عالمين أو أكثر ،لا يشعر بالانتماء الى اي منها لكنه يستقر بهدوء في عالمه الخاص دون ان تكون الحدود واضحة أو مفهومة بالنسبة للآخرين.
في عالم البداهات الثقافية الراسخة "الراجل راجل والمرا مرا" ، ماذا يفترض ان يعني ذلك لامرأة متعلمة ومستقلة؟ متى تكون قد غادرت أرض النساء و غامرت بدخول أرض الرجال المقدسة ؟
من المؤكد أن عوالمنا تتطور بسرعات متباينة رغم ان العالم نفسه يجمعنا، يحدث ان تنشأ المرأة في محيط لا يسعها فيه إلا الاعتماد على نفسها، تخطط و تقرر وتخطئ و تدفع ثمن الأخطاء ثم تواصل بناء عالمها لبنة لبنة، وكأي إنسان يتأمل ما شيدته يداه، تتأمل عالمها و هي تتساءل عما يمكن فعله لبقاء البنيان متماسكا، عن ضمانات سعادتها بما انجزته و بما يمكن اضافته لكي يكون بناؤها أكثر بهاء، يأتي الرجل ليسألها ببلاهة: "ما الذي يضمن له ان تكون مطيعة؟ "
امرأة سعيدة بحياتها،تحاول تجنب ما يكدرها،يسألها مخلوق قدم هكذا فجأة "من علم الغيب" فيما إذا كانت مطيعة ! حسنا ربما من الأجدر بهذا النوع من الرجال ان يبحثوا في أسواق النخاسة..فقد يجدون ضالتهم.
لماذا يحتاج هؤلاء الى امرأة مطيعة؟ لماذا يصيبهم الذعر إزاء المرأة المستقلة؟
ربما يجدر بنا ان نعود الى التنشئة الاجتماعية، حيث تبرمج الإناث على نمط وجودي واحد في الحياة،ان تكون امرأة أحدهم، ويبرمج الذكور على ان الإناث تحتجنهم وانهم بذلك يملكون سلطة عليهن.
ربما كان هذا امرا واقعا بالنسبة لمعظم الناس فيما مضى(ولا زال مع الاسف صادقا بالنسبة للبعض في يومنا هذا)، حيث تنتقل المرأة صبية يافعة الى بيت زوجها، دون مؤهلات علمية او مهنية تسمح لها بإعالة نفسها، فتكون في حاجة الى الزوج في كل أمور حياتها، ومهما بلغ من قسوة او طيش او ظلم الزوج فهي مطالبة ثقافيا بالصبر والطاعة.
غير ان الأوضاع تغيرت دون ان تتغير العقليات بالإيقاع نفسه، تستطيع ربة البيت ان تتحول الى امرأة عاملة لكي تساعد الزوج او تعوض غيابه في تولي نفقات الأسرة. و بالنسبة لشريحة من النساء، فإن استقلاليتها على جميع النواحي (وليس فقط من الناحية المادية) أمر تعيشه فعليا مدة طويلة قبل ان تقرر الزواج، سؤال الطاعة إذن يبدو في سياق العالم الذي تعيشه المرأة سؤالا غريبا ومضحكا الى حد ما. لم تعد المرأة مضطرة للتعامل مع هذه العلاقة غير السوية بالرجل، ولو أن الكثير من النساء يخترن بذكاء عدم التصريح بذلك ولا طرحه للنقاش مع شركائهن، يخبرن الرجال ما يتوقعون سماعه،و يتظاهرن بأنهن امتداد هادئ للجدات و لو انهن في الواقع لسن أبدا كذلك..
"ما الذي يضمن ان تكون المرأة مطيعة؟" انه سؤال مضحك لأنه لا توجد ضمانات في العلاقات الانسانية أولا، وثانيا لأنه لا توجد امرأة مطيعة، قد توجد امرأة ساذجة بما يكفي لكي تؤمن انها تزوجت أفضل رجل في تاريخ البشرية وبالتالي فإن عليها ان تنفذ ما يقوله بالحرف الواحد طالما انه يعرف كل شيء عن.. كل شيء،لا يخطئ أبدا و ينجح في كل ما يقوم به في أي وقت يقوم به ! او امرأة مضطهدة لا تملك خيارا آخر غير الطاعة في الوقت الراهن، لكن عندما تحين الفرصة المناسبة لا شيء سيمنعها من التحول الى كائن متوحش يمارس الاضطهاد في حق الرجل بلا رحمة.
ربما نحن بعيدون فعلا عن طرح الاسئلة المناسبة ونحن نهم ببناء نواة المجتمع واقصد الأسرة، ربما يفسر هذا جانبا من الأعطاب التي تحيط بنا من جميع الجوانب وفي كل العوالم التي نعيش ونتنقل بينها تائهين.

الجمعة، 15 سبتمبر، 2017

انهيار



ثمة لحظات غريبة..حين تقف إزاء نفسك باندهاش الإنسان الأبدي إزاء المجهول. حين تكون انت انت لكن دون ان تكون ذاتك حقيقة..دون ان تكون ذاتك بالكامل..حين تشعر ان ثمة شيئا ما يتسرب من كينونتك كما يتسرب الماء من بين أصابعك دون ان تستطيع منعه..حين تشعر ان كل لحظة تمر تجعلك آيلا للسقوط أكثر  فأكثر..
تلك اللحظات حيث تفاجئك ملامحك في المرآة عادية جدا، و تسمع صوتك يعانق أصوات الآخرين بمرح، تعقب ذلك ضحكة رنانة تخرج من مكان ما فيك و يتلقاها الآخرون ضاحكين..وانت..انت تنظر الى كل ذلك ..وتشعر انك أبعد ما تكون عن كل ذلك..وان تفاصيل المشهد لن تنسيك حقيقة صارخة: ان ثمة انهيارا بداخلك..
تلك اللحظات حين ترى نفسك في عيون الآخرين كاملا.. بنيانا شيد على مهل تنطق تفاصيله بالصلابة و التحدي.. وترى نفسك آيلا للسقوط..هكذا فقط.. آيلا للسقوط.
سقوطك الذي يقترب كلما تأملت حجم الخراب بداخلك..سقوطك الذي يصير أقرب كلما تأملت كل غرف دواخلك المهجورة..بقايا أمتعة عششت بين ثناياها انواع الحشرات والقوارض..سقوطك الذي يصير حقيقة كلما طالت الرطوبة أعمدة البنيان..جدران الغرف..و أقفال الأبواب التي لم تنفع يوما لا في حماية عالمك من غزو الغزاة و لا في إقناع الراحلين بالعدول عن الرحيل.كل شيء يصدأ..كل شيء يتعفن..كل شيء يتحلل في رحلته المحتومة نحو العدم.
ثمة لحظات غريبة..حين تقف إزاء بنائك الآيل للسقوط و بخبرة مقاول ضليع تتحرك عيناك المدربتان في كل الاتجاهات..فتقدران بمهارة كلفة تجديد شامل دون ان تفلحا في اقناع يديك بالعمل على ترميم اي شيء فيك..
ثمة لحظات غريبة تملأ دواخلك برفض محض..تصير لاءاتك حقيقتك البسيطة و الاصيلة في زمن التيه، وحدها بناءاتك التي شيدتها على مهل ردحا من الزمن لتصير شيئا خارجيا غريبا عنك تماما، وحدها تلك البناءات التي نسبتها الى نفسك فيما مضى و اغتربت فيها وبسببها ولنقل بفضلها، وحدها تلك البناءات ستبقى شاهدة على حقيقة غربتك وحقيقة انهيارك..وحدها تعرف جيدا لماذا لم يعد اي شيء يستحق.

المغاربة

يستوقفك عنوان الرواية في البداية بتعبير مألوف لدى حسك العامي عندما تصف سلوكا شائعا تستغربه بشيء من الضيق احيانا او بشيء من السخرية او المرح احيانا اخرى فتنطق ببساطة: المغاربة !
ثم يتدخل حذرك الابستيمولوجي ليشكك في طموح رواية الى الحديث باسم مجتمع بأكمله من خلال بضع شخصيات و نسيج من الاحداث، ولأن الكتب لا تكتشف أسرارها من عناوينها يكون عليك ان تتجاوز الغلاف لكي تتعرف الى مغاربة عبد الكريم جويطي، من هم؟ وما خطبهم؟
بلغتها الفصيحة والبسيطة في آن تقترح عليك رواية "المغاربة" نافذة تطل منها على واقع قد تكون جزء منه، تعطيك في البداية انطباعا بأنه ليس هناك الكثير مما يحدث لشخوصها، تحكي لك ما يحدث بهدوء وعمق، تريدك ان تنفذ الى ما هو أبعد من الوقائع، فكل شيء مشروط بالسياق التاريخي الذي انتجه، لهذا استعان عبد الكريم جويطي بثقافته الرصينة لكي ينسج للشخوص والأماكن والأحداث امتدادا في التاريخ الفعلي للمغاربة حيث لن يكون لها معنى الا في سياقه.
الكتابة بالنسبة للروائي هي موقف وفعل مقاومة إزاء واقع يتمثله بكل عيوبه و أعطابه، لهذا يدافع جويطي عن خيار الكتابة باسم المغاربة قائلا: "الكتابة هي فعل المقاومة الوحيد والمتبقي في بلد صمتت طيوره عن الغناء،وصارت أزهاره ترفض أن تتفتح في الصباح، وتوقفت أشجاره عن النمو،بلد أتى عليه حين من الدهر صارت فيه رايته منشفة يجفف به المغنون التافهون عرقهم في السهرات، والعاهرات يحاضرن فيه عن الفضيلة، واللصوص يقومون فيه بالدعاية لمحاربة الجريمة، والماضي يشرف فيه على التحديث." ص 145
لا تبدو الرواية متسامحة مع جراح من سميت باسمهم،انها على العكس من ذلك تتوقف عند كل جرح، تتأمله على ما هو عليه، مهما بدا غير قابل للعلاج.
بعض الجراح تتعلق –على الأقل في ظاهرها- بفرد متعين، كالعمى او الاعاقة الحركية او الاضطراب النفسي لكنها تجد ،عبر متن الرواية، الخيوط المنطقية التي تقودها الى الذاكرة والهوية الجماعيتين حيث يصير مصير الفرد –على قسوته- متوقعا ومفهوما.
تتعدد التفاصيل لكنها تنطق بالحقيقة نفسها: احتقار الحياة الإنسانية و اعتبارها دون قيمة. إنها الحقيقة التي نطق بها طغيان القواد فيما مضى، وجلادو سنوات الرصاص، و أبطال التاريخ الدموي الذي بقيت المقبرة الجماعية شاهدا عليه.
هي الحقيقة نفسها التي عصفت بمستقبل العسكري العائد من الحدود باعاقة حركية دائمة، و حكمت على محمد الغافقي بعمى أبدي، وتركت الخبير فريسة اضطراب نفسي لما تبقى من حياته.
كيف يمكنك ان تعيد الاعتبار الى كينونتك كإنسان؟ كيف يمكنك ان تقاوم؟
سار الجد على حمارته في نزهات طويلة قبل ان يموت كمدا على أرض، بأشجار وحقول، انتزعت منه بلا رحمة، وأقام البوكمازي حديقة وسط الرمال على الحدود قبل ان تتناثر أشلاؤه حوله.. ولعب الحاج فرح -وهو العبد المخصي- دور الباشا الصغير في مسرحية فاشلة،وأقامت "الشيخة رقية" في كهف بالمقبرة الى حين موتها، وصار حسن أوشن "ذا عاهة جبار"
الكل يقاوم على طريقته، لكن الأخوين الغافقي سلكا الطريق نفسها: بعد ان يئس العسكري من اسماع صوت احتجاجه انكفأ على الكتب، كي تسعفه –ربما- لرؤية الواقع من زوايا اكثر شمولية و وضوحا، بما يجعله مفهوما ومن ثم قابلا للتحمل، وكان هذا لحسن حظ محمد فقد هيأه شقيقه لمصير العمى بالمزيد من الكتب..
تثق الرواية في قدرة الكتب على منحنا قدرة أعمق لاستيعاب ما يحدث حولنا مهما بدت تفاصيله متناثرة و منفصلة عن بعضها البعض.. فالتجربة الانسانية في العمق تحمل أبعادا مشتركة، وإذا تحدثت بعض "الهذيانات المغربية" التي تضمنتها الرواية عن المغاربة بلهجة قاسية فذلك – بالتحديد- لأنها تتحدث إليهم، بشكل صريح أحيانا و عبر شخوصها المتخيلة أحيانا اخرى، لنتوقف مثلا عند صفية (الارض) التي يسلمها أهلها بكل بساطة لرجل أعمى بالكاد يعرفون عنه شيئا، ثم صراع رجلين (كلاهما أعمى) من اجل صفية، أحدهما - و هو محمد- يعتبر ارتباطه بها حقا مشروعا له، بينما حسن أوشن يحصل عليها فعليا كزوجة بالاحتيال على صديقه.. لنلاحظ ان صفية نفسها لم تعبر عن أي رأي في الموضوع الى نهاية الرواية،انها على الأرجح تلك الأرض التي يحبها البعض بصدق دون ان يكون لهم نصيب منها، و يحتال البعض الآخر و ينجحون في اغتصابها.
يبقى ان محمد الغافقي اتبع طريق مقاومة سلمية قض بها مضجع غريمه بحيث دفع به في النهاية الى الاقدام على الانتحار، رجلان مصابان بالعمى يتنازعان حول صفية دون ان تكون لأي منهما في النهاية، يجسدان مأساة شعب عاجز عن تجاوز أعطابه ليعيش على أرضه كما يستحق.
هل تخبرنا رواية "المغاربة" شيئا جديدا؟ ربما لا تفعل، لكن ما يجعلها جديرة بالاهتمام طريقتها في إخبارك بهدوء وجهة نظر تجعل لما تعرفه أصلا معنى ينزع عنه عبثيته الظاهرية والمضللة.

الأحد، 21 مايو، 2017

أحقاد



ينبغي ان تواجه العالم بقلب طفل صغير كي تخرج من معاركه بأقل الخسائر الممكنة..
قلب طفل، هذا ما يتطلبه الأمر، وان استطعت ان تمتلك عيون طفل أيضا لكان ذلك رائعا.
لا يكفي ان تحاول الفهم..بإمكانك ان تدرس وتحلل كثيرا لو شئت،لكنك أحيانا كثيرة ستنهي رحلة بحث مضنية أمام جدار عال من الغموض واللامعنى،جدار يمتد امامك بكل برود و بلا ادنى اكتراث لحرقة السؤال و تشظي الذات السائلة..
قلب الطفل يواجه الأحقاد بضحكة صافية، مثل ظبي صغير يتقدم بحماس نحو  لبؤة شرسة، يلاعبها غير مدرك لخطورة أنيابها البارزة فيربك هجومها و يوقظ فيها غريزة الأمومة بدل غريزة الافتراس.
لا تشغل بالك كثيرا بالتفكير في منبع الأحقاد التي تملأ العالم، لن تحصي كل المنابع و قد تموت بنيران صديقة قبل ان تكتشف السر.
ابق فقط على قلب الطفل بداخلك لكي تجد متسعا للضحك على هذا العالم البائس قبل ان تموت كمدا من اجل لاشيء

السبت، 20 مايو، 2017

نسوانيات في مواجهة الأنذال



تبدأ اللقاءات-كالمعتاد- بشيء من السحر، يخبرها ما تحب سماعه وتنتهي لقاءاتهما بحمل غير متوقع وغير مرغوب فيه من كليهما..عندما تقرر إنجاب الطفل تفاجأ بأنه يتنكر لها و لطفله، و تخوض حربا كريهة في أروقة المحاكم لكي يخبروها في النهاية أن النفقة مشروطة بعقد الزوجية و انه ليس ملزما بالإنفاق على طفله حتى بعد أن أثبتت الفحوصات نسبه البيولوجي إليه..
هكذا فقرار العلاقة غير الشرعية كان قرارهما معا، ولكن مصير الطفل الناتج عن هذه العلاقة يبقى شأن المرأة وحدها: "الفاجرة التي سمحت لنفسها بمعاشرة رجل خارج إطار الزواج، يمكن ان تكرر فعلتها مع اي رجل آخر، اي خير يأتي منها او من ابن الزنا الذي أنجبته الى العالم؟" يقول الأنذال من الرجال، نفس الأنذال الذين يُقبِلون بحماس على فسحات تحرر تمنحهم العديد من الشريكات ثم عند ظهور أول مشكلة يتمترسون ،بكل جبن، خلف موروث محافظ من الأحكام الأخلاقية الصارمة التي تكيل تهم العهر والفجور و الغواية للمرأة و لا تحمل الرجل أدنى مسؤولية عن افعاله.."حيتاش هو راجل"
"الراجل" الذي يعدد، أمام الجميع،وبكل فخر، مغامراته مع النساء، ولكنه عندما يقرر الزواج يبحث عن صبية طاهرة لم "يطأها" احد قبله. ومهما تقدم به العمر فلا بد ان تكون سعيدة الحظ مراهقة يافعة. ومهما بلغ من قبح خلقته فلا بد ان تكون حبيبته آية من الجمال. ومهما بلغ وجوده من التفاهة فلا بد ان تتفرغ لخدمته. ومهما كان جاهلا فلا يصح ان تبدو اكثر علما منه. وحتى لو كان معدما على جميع الأصعدة ،فليس عليه بذل اي مجهود لتحسين وضعه فيكفيها أنه "رجلها" ، جنتها و نارها بيديه.
تجد الواحد من هؤلاء الأنذال يتبرم من خروج المرأة الى مجال الشغل و لكنه يبتز  زوجته  الى ان يحصل على بعض او كل راتبها، فإن لم يستطع تركها تواجه تكاليف حياتهما المشتركة بمفردها.
لا يترك فرصة لتذكير زميلاته في العمل  بدورهن التقليدي في الانجاب والطبخ، وان كانت الواحدة منهن اكثر منه كفاءة نعتها بالمسترجلة و سخر من زوجها ان كانت متزوجة و تفكه من استحالة ارتباط اي رجل حقيقي بها ان كانت غير متزوجة.
في البيت، يعتقد ان الأنثى خلقت لخدمته،قد تكون والدته امرأة مسنة،ومع ذلك فهو يفرد ساقيه أمام التلفاز في كسل منتظرا ان تقتني الأم المشتريات من خارج البيت وتطبخ وتجلب الطعام الى المائدة ثم تقوم بتنظيف المطبخ بعد ذلك..ان كان متزوجا فزوجته تحل محل أمه في كل ذلك، وان اعترضت قائلة بعدم وجود مبرر ديني او بيولوجي يجعل تلك الاعمال حكرا عليها وحدها وبأن الحياة المشتركة يجب ان تقوم على التعاون وتشارك المهام، صرخ في وجهها: "ها علاش ماكنحملش لعيالات لي دايزة ليهم لفهامة !"
في الشارع عندما يختلف مع إحداهن يشتمها ببذاءة مستعرضا فحولته المفترضة، فالفضاء العام في تمثله لا مكان فيه للمرأة وكل الوسائل مسموح بها من العنف اللفظي مرورا بالتحرش وصولا الى الاغتصاب، والهدف واحد: اعادتها الى البيت،مكانها الطبيعي.
الأنذال من الرجال غير قادرين على رؤية الانسان بداخل المرأة (و في العمق هم عاجزون عن رؤية الانسان بداخلهم هم أنفسهم)، عندما ينظر الواحد منهم إليها لا يرى غير جسد يصلح وعاء لمتعته الخاصة، وربما تكون طريقا الى الثروة او النفوذ ان كان ذلك ممكنا،فإن لم يكن ثمة جمال ولا مال و لا جاه فهي مجرد "خْطِية"  يجدر تذكيرها بلا جدواها بمناسبة او بدون مناسبة.
يعاني الرجال المحترمون هم ايضا من خسة الأنذال، إن أراد أب محترم لابنته فرص تعليم مكافئة لما يحصل عليه الذكور،حاصروه بكلمة "حشومة"
إن وقف ابن محترم في المطبخ لإعداد الطعام لأسرته سخروا من كونه "لعزبة ديال الدار"
إن ترك راكب محترم في وسيلة نقل  مقعده  لامرأة  تمتموا في امتعاض: "هن يردن المساواة !"
ان رفض رجل محترم تعنيف امرأة أساءت إليه صرخوا في وجهه مهددين : "ما فيديكش !"
إن ساند زوج محترم شريكته في تحقيق انجاز يعني لها و يسعدها، تضاحكوا من كونه "راجل لمرا"
وإن لاحظوا إخلاصه لزوجته و التزامه بحياتهما معا سألوا مستنكرين: "آش موكلاه هاد خيتي ؟!! "
كلما تعاظم احساس هؤلاء برجولة وهمية و زادت ثقتهم في تفوقهم الطبيعي لمجرد انهم ولدوا ذكورا كلما اعتقدوا ان الذكورة تمنح الحق على كل الأشياء وكل النساء، وتمنح بالتحديد الحق في جعل النساء والأشياء سواء.لذلك ففي مجتمع ذكوري متطرف لا بد ان نتوقع ظهور نسوانيات شرسات،فالمرأة لا تولد نسوانية ولكن الأنذال من الرجال يجعلونها كذلك.

الثلاثاء، 25 أبريل، 2017

قضايا عادلة



أستغرب من الذين يبذلون مجهودا كبيرا في السجال حول ما إذا كانوا يريدون البلاد علمانية أو دينية، أستغرب  منهم و هم يتمترسون خلف حججهم التي تفحم الخصوم، و وقائع التاريخ التي تصد كل هجوم، كيف يختار هؤلاء معاركهم؟ و بأي مقياس يتعرفون خصومهم؟ و أين بالضبط يحصلون على كل هذا الاطمئنان الى عدالة قضاياهم؟
أينما وليت وجهك وجدت استعدادا لإقصاء الآخر، و ممارسة الوصاية على العقول و الأرواح، يبحث الجميع عن أرضية لتحقيق مشاريعهم الفكرية او العقدية و لا يبحثون بالضرورة عن أرضية للتعايش المشترك، يجمعهم سقف الوطن الذي يهوي من حين لآخر على رؤوس الجميع بخبر مفجع من هنا و هناك،  يتأوهون لبضعة أيام متحسرين ثم يعودون لشن هجوم جديد على معسكر العدو.
البسطاء في ربوع الوطن لا يحفلون كثيرا بالتأصيل النظري لطروحات هؤلاء و أولئك، و غالبيتهم العظمى لن تميز في الخطاب بين الحقيقة والمغالطة، لأن رهانات اليومي لا تمنح للواحد منهم ترف التأمل والتفكير.
أستغرب كيف لا تراجع المعسكرات المتعادية أولوياتها أمام ضحكة الطفلة "إيديا" التي سرقت من ذويها إلى الأبد بسبب قلة التجهيزات في المستشفيات العمومية، هل سنختلف بشدة حول حق الإنسان في الرعاية الصحية الملائمة ؟ في كل مستشفى يكون على الناس ان ينتظروا طويلا كي يحظوا بفرصة للفحص على جهاز دائم العطب،ينتظر مريض السرطان موعدا للفحص قد يأتي بعد عدة أشهر أو عام أو أكثر،ينتظر مريض بالربو او التهاب الكبد على رصيف المستشفى البعيد بمئات الكيلومترات عن مدينته او قريته، ينتظرون ، بينما أمراضهم التي تقتات على صحتهم كل لحظة لا تعرف الانتظار.
يقدم البعض دفوعاتهم المنادية بالمساواة في الإرث من أجل إعادة الاعتبار للمرأة،في هذه الأثناء تقفز سيدة ستينية الى عمود اتصالات و تتسلقه و تهدد بالانتحار محتجة على محاولة سلبها أرضها،لكي يذكر جسدها الضئيل و وجهها المتغضن بمعضلة ضخمة و خطيرة: ما جدوى ان تمتلك شيئا – رجلا كنت أو امرأة- إذا كان ما تمتلكه عرضة للنهب بوثائق رسمية؟ لصوص العقار لا يأبهون لمعتقدات الضحايا، فلتكن مملكة الله او مملكة الشياطين او حتى مملكة العدم، مادام بإمكان الواحد منهم ان يحصل على اي عقار شاء و يحظى بآخر التشريعات الوطنية في صفه فوق ذلك.
يتحدث البعض بكل ثقة عن هذا الذي يستحق الجلد و تلك التي يجب أن تقر في بيتها، وعن المنكر الذي يجب تغييره باليد أولا، و ينسون أن العالم لم يخترع بعد جهازا لقياس الإيمان لكي يرفع الأكثر إيمانا من الناس الى مقام محاسبة البعض الآخر، وأن الاولى ان نمنح للنساء بيوتا ومساكن تليق بآدميتهن قبل ان نتوقع منهن ان يقرن فيها، و ان اليد التي لا تدرك أو لا  تنجح في تغيير المنكر الذي تأتيه بنفسها لا يحق لها ان تمتد لتغيير المنكر الذي تأتيه يد الغير.
أستغرب كيف ينظر هؤلاء وأولئك بعين الى مشاهد "الحكرة" والتهميش والهشاشة، ثم يتأملون بأخرى الوجه البشع للنفوذ والزبونية،و لا تتأجج فيهم مع ذلك الا الرغبة في تنحية المعسكر الايديولوجي الخصم والقضاء عليه !!
أيها الباحثون عن قضايا عادلة اجعلوا الإنسان قضيتكم و تكاثفوا من اجلها و ستجدون ان كثيرا من أعدائكم الحقيقيين او المفترضين قد استحال حليفا، وان صوتكم سيكون قويا لدرجة لن تحتاجوا معها الى شن حرب بعد ذلك لإسماعه.